محمد الحفناوي
464
تعريف الخلف برجال السلف
قال تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ « 1 » غير اللّه ، اذكر اللّه على حد ، [ 50 ] وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً « 2 » أي من غير موسى حتى كادت أن تبدي به ، وأشار بعضهم إلى هذا المعنى : بذكر اللّه تبتهج القلوب * وتتّضح السرائر والغيوب وترك الذكر أفضل كلّ شيء * فشمس الذات ليس لها غيوب فترك ذكر الغير أساس كل خير ، فإن نسيت ما سواه به كنت ذاكرا للّه حقا ، وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان ويكون العيان . وقال الواسطي مشيرا إلى هذا المقام : الذاكرون اللّه في ذكره أشد غفلة من الناسين ذكره ، وهذا من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقد وصف اللّه تعالى قلب أم موسى بمعنى ذلك في قوله : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً « 2 » من كل شيء إلا من ذكر موسى ، فكادت أن تبدى به من غير قصد منها لذكره ولا تدبر ، بل كان تركها للتصريح بذكره صبرا بما ربط اللّه على قلبها لتكون من المؤمنين . تنبيه : إذا ذكر الشخص بلسانه ونظر بقلبه إلى اللّه تعالى ، ودام على هذا الوجه يحدث في أعضائه ومفاصله نوع وجع ، ويأخذ قلبه في الوجع مع قليل حرقة ، اللهم لا تحرم طالبيك من هذا الوجع ، ووفقهم أن يشكروك عليه ، وهذه الأوجاع منشأها أن الذكر يقطع اللذات والحظوظ التي تمكنت في قلبه وأعضائه وجوارحه أيام الغفلة ، فتكون هذه بداية نفوذ الذكر في قلبه ، فإذا زادت مواظبته على الذكر يصل أثر ذلك إلى الروح ، فيذكر الروح ويجلس على سرير القلب بالخلافة ، ويحكم على الحواس الظاهرة والباطنة ،
--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 24 . ( 2 ) سورة القصص : الآية 10 .